ابن قيم الجوزية
8
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
واختلافها ، وصنّف فيه المصنفون الكتب على تنوّع أصنافها . فلا أحد إلا وهو يحدّث نفسه بهذا الشأن ، ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان ، فتراه إما مترددا فيه مع نفسه ، أو مناظرا لبني جنسه ، وكلّ قد اختار لنفسه قولا لا يعتقد الصواب في سواه ، ولا يرتضي إلا إيّاه ، وكلهم إلّا من تمسّك بالوحي عن طريق الصواب مردود ، وباب الهدى في وجهه مسدود ، تحسّى علما غير طائل ، وارتوى من ماء آجن ، قد طاف على أبواب الأفكار ، ففاز بأخسّ الآراء والمطالب ، فرح بما عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، وقدّم آراء من أحسن به الظن على الوحي المنزل المشروع ، والنص المرفوع ، حيران يأتمّ بكلّ حيران ، يحسب كلّ شراب ماء فهو طول عمره ظمآن . ينادى إلى الصواب من مكان بعيد ، أقبل إلى الهدى فلا يستجيب إلى يوم الوعيد ، قد فرح بما عنده من الضلال ، وقنع بأنواع الباطل وأصناف المحال ، منعه الكفر الذي اعتقده هدى ، وما هو ببالغه ، عن الهداة المهتدين ، ولسان حاله أو قاله يقول أهؤلاء الذين منّ اللّه عليهم من بيننا أليس اللّه بأعلم بالشاكرين . فصل ولما كان الكلام في هذا الباب نفيا وإثباتا موقوفا على الخبر عن أسماء اللّه وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره ، وأسعد الناس بالصواب فيه من تلقّى ذلك من مشكاة الوحي المبين ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهوّكين « 1 »
--> ( 1 ) المتهوكين : المتحيّرين .